ابن ميثم البحراني

52

شرح نهج البلاغة

فيما عنده من الدنيا . ثمّ أردف ذلك بذمّ من اغترّ بكلامهم ونسبه إلى الغرور والغفلة . ثمّ بالإخبار عن سوء حال من كانوا حزبه ومن يقاتل بهم : أمّا الأوّل : فهو قوله : المغرور واللَّه من غرّرتموه . والمقصود بالحقيقة ذمّهم وتوبيخهم على خلف المواعيد والمماطلة بالنفار إلى الحرب لأنّه إنّما ينسب من وثق بهم إلى الغرور بعد خلفهم في وعدهم له بالنهوض معه . وجعل المغرور مبتدأ ومن خبره أبلغ في إثبات الغرّة لمن اغترّ بهم من العكس لاقتضاء الكلام إذن انحصار المغرور في من اغترّ بهم . ولا كذلك لو كان من مبتدأ . وأمّا الثاني : فهو قوله : ومن فاز بكم فقد فاز بالسهم الأخيب ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل . وقد شبّه نفسه وخصومه باللاعبين بالميسر ، ولاحظ شبه حصولهم في حقّه . بخروج أحد السهام الخائبة الَّتي لا غنم لها أو الأوغاد الَّتي فيها غرم كالَّتي لم يخرج حتّى استوفيت أجزاء الجزور فحصل لصاحبها غرم وخيبة . فلأجل ملاحظة هذا الشبه استعار لهم لفظ السهم بصفة الأخيب ، وإطلاق الفوز هنا مجاز في حصولهم له من باب إطلاق اسم أحد الضدّين على الآخر كتسمية السيّئة جزاء . كذلك لاحظ المشابهة بين رجال الحرب وبين السهام في كون كلّ منهما عدّة للحرب ودفع العدوّ ولاحظها أيضا بين إرسالهم في الحرب وبين الرمي بالسهام . فلأجل ذلك استعار أوصاف السهم من الأفوق والناصل ، واستعار لفظ الرمي لمقاتلته بهم ثمّ خصّصهم بأردء أوصاف السهم الَّتي يبطل معها فائدته لمشابتهم ذلك السهم في عدم الانتفاع بهم في الحرب . وكأنّه أيضا خصّص بعثه لهم إلى الحرب باستعارة الرمي بالسهم الموصوف لزيادة الشبه وهي عدم انبعاثهم عن أمره . وتجاوزهم أوطانهم كالرمي بالسهم الَّذي لا فوق له ولا نصل فإنّه لا يكاد يتجاوز عن القوس مسافة . وهي من لطائف ملاحظات المشابهة والاستعارة عنها . والمعنى أنّ من حصلتم في حربه فالخيبة حاصلة له فيما يطلب بكم ، ومن قاتل بكم عدوّه فلا نفع له فيكم . ثمّ أردفه بالإخبار عن نفسه بأمور نشأت عن إساءة ظنّه بهم وعدم وثوقه بأقوالهم بكثرة خلفهم ومواعيدهم الباطلة بالنهوض معه وهي أنّه لا يصدّقهم لأنّه من أكثر من شيء عرف به . ومن أمثالهم : إنّ الكذوب